أبي منصور الماتريدي
381
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
التي تذكر في قوله - عزّ وجل - : وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى [ الأعلى : 3 ] . وقوله - عزّ وجل - : فَنِعْمَ الْقادِرُونَ : أي : أنعم به من قادر ؛ فيخرج مخرج ذكر الآلاء والنعم ، أي : إن الذي فعل بكم هذا هو الله - تعالى - لم يقدر أحد أن يفعل بكم هذا الفعل . وقوله - عزّ وجل - : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً . أَحْياءً وَأَمْواتاً : جائز أن يكون هذا صلة قوله : أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ . فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ و أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً . أَحْياءً وَأَمْواتاً . فيكون في ذكر هذا كله تذكير للآلاء والنعم ، وتذكير القدرة والسلطان والحكمة . فوجه تذكير « 1 » النعم : أن الله - تعالى - في أول ما أنشأه ، أنشأه نطفة قذرة ، وجعل لها مكانا يغيب عن أبصار الخلق ، ولم يفوض تدبيرها إلى البشر ، وكذلك في الوقت الذي أنشأه علقة ومضغة ، لم يفوض تدبيره إلى أحد من خلائقه ؛ لأنه في ذلك الوقت بحيث يستعاف ويستقذر ، ولا يدفع عنه المعنى الذي به وقعت الاستعافة والاستقذار بالتطهير ؛ فجعل له قرارا مكينا يستتر به عن أبصار الخلائق ، ثم لما أنشأه نسمة ، وسوى خلقه أخرجه من بطن أمه وألقى في قلب أبويه الرقة والعطف ؛ ليقوموا بتربيته وإمساكه إلى أن يبلغ مبلغا يقوم بتدبير نفسه ومصالحه « 2 » ، ثم جعل له بعد مماته أرضا تكفته وتضمه إلى نفسها ؛ فيستتر بها عن أبصار الناظرين ؛ إذ رجع بعد موته إلى حالة تستعاف وتستقذر ولا تقبل التطهير ؛ فكان في ذكره أول أحواله إلى ما ينتهي إليه تذكير النعم ؛ ليصل إلى أداء شكره . أو جعل الرحم قرارا له في وقت كونه نطفة وعلقة ومضغة ؛ لما لا يعرف الخلائق أنه بم يغذى حتى ينمو ويزيد ؟ فرفع عنهم مئونة التربية في ذلك الوقت ، ثم إذا صار بحيث يعرف وجه غذائه ، وعرف الخلق المعنى الذي يعمل في دفع حاجته ، أخرجه من بطن الأم ، وفوض تدبيره إلى أبويه ؛ فهذا وجه تذكير النعم ، وفي ذكره ذكر القوة والسلطان والحكمة ، وهو أن الله تعالى جعل النطفة التي أنشأ منها النسمة ، بحيث تصلح أن ينشأ منها علقة ومضغة ، ولو أراد الخلائق « 3 » أن يعرفوا المعنى الذي له صلحت النطفة بأن ينشأ منها العلقة والمضغة والعظام واللحم ، ثم يكون منها نسمة سوية - لم يصلوا إلى معرفته ،
--> ( 1 ) في أ : التذكير . ( 2 ) في ب : مصالحها . ( 3 ) في أ : الخلق .